المقريزي
179
المقفى الكبير
قال : أردت أن أهدم رياعكم وأغوّر قلبكم « 1 » ، وأعقر نخلكم وأنزلكم بالسراة فلا يجيئكم أحد من أهل الحجاز وأهل العراق ، فإنّهم لكم مفسدة . قلت : يا أمير المؤمنين ، إنّ سليمان عليه السلام أعطي فشكر ، وأيّوب عليه السلام ابتلي فصبر ، وإنّ يوسف عليه السلام ظلم فغفر . وأنت من ذلك السّنخ « 2 » ، ( قال ) : فتبسّم وقال : أعد ! فأعدت . قال : مثلك فليكن زعيم القوم ، وقد عفوت عنكم ، ووهبت لكم حرم أهل البصرة . ويروى أنّ الحسن بن زيد لمّا ولي المدينة قال لإبراهيم بن هرمة : إنّي لست كمن باع لك دينه رجاء مدحك أو خوف ذمّك . قد أفادني اللّه بولادة نبيّه الممادح وجنّبني المقابح ، وإنّ من حقّه عليّ ألّا أغضي على تقصير في حقّه . وأنا أقسم باللّه : لئن أتيت بك سكران لأضربنّك حدّين : حدّا للخمر ، وحدّا للسكر ! ولأزيدنّ لموضع حرمتك بي . فليكن تركك للّه تعن عليه ، ولا تدعها للنّاس فتوكل إليهم . فنهض ابن هرمة وهو يقول [ الوافر ] : نهاني ابن الرسول عن المدام * وأدّبني بآداب الكرام وقال لي اصطبر عنها ودعها * لخوف اللّه لا خوف الأنام وكيف تصبّري عنها ، وحبّي * لها حبّ تمكّن في عظامي ؟ أرى طيب الحلال عليّ خبثا * وطيب العيش في خبث الحرام « 3 » 1153 - الحسن بن زيرك الطبيب [ - 270 ] « 4 » الحسن بن زيرك ، كان من أطبّاء مصر في أيّام أحمد بن طولون ، فاتّفق أنّه لمّا قدم أحمد بن طولون من الشام في مرضه ، أحضر الحسن هذا وشكا إليه طبيبه سعيد بن نفيلة النصرانيّ ، فسهل الحسن على ابن طولون أمر علّته وقال له : أرجو لك السلامة عن قرب . وعندما استراح ابن طولون من حركة السفر واطمأنّ باجتماع شمله وهدوء نفسه ، خفّت عنه العلّة ، فتبرّك بالحسن ، إلّا أنّ الأقدار لم تساعده ، وشرع ابن طولون يخلط مع حرمه فتزايدت به العلّة ، فاستدعى الأطبّاء وكتم عنهم ما كان منه من سوء التدبير [ 350 ب ] والتخليط . واشتهى سمكا قريسا « 5 » فأكله . وعندما استقرّ في معدته تتابع الإسهال ، فأحضر الحسن وقال له : أحسب أنّ الذي سقيتنيه اليوم كان غير صواب . فقال : يحتاج الأمير أيّده اللّه ، إلى إحضار جماعة أطبّاء الفسطاط إلى داره في غداة كلّ يوم ، حتّى يتّفقوا على ما يأخذه ، وما سقيتك إلّا ما تولّى عجنه ثقتك ، وجميعه ينهض القوّة الماسكة في معدتك وكبدك . فضاق صدر ابن طولون وقال : واللّه لئن لم ينجع فيّ تدبيركم لأضربنّ أعناقكم بأسركم ، فإنّكم تمخرقون على العليل ولا يحصل منكم شيء في الحقيقة . فخرج من بين يديه وهو يرعد ، وكان شيخا كبيرا . فحميت كبده من سوء فكره وخوفه وتشاغل بالهمّ عن المأكل والمشرب والنوم ، واعتاده
--> ( 1 ) القلب ج قليب : الآبار . ( 2 ) السنخ : الأصل . ( 3 ) ديوانه ، نشر المعيبد ، النجف 1969 ص 224 . ( 4 ) الوافي 12 / 24 ( 17 ) ، ابن أبي أصيبعة 3 / 138 . ( 5 ) السمك القريس : المصبّر في الحوامض .